شذرات تجريبية

الخميس، أغسطس 27، 2009


بقلمي

قدر الله لي أن أكون خزانة أسرار أصدقائي

فمنذ صغري تجمع عندي مئات المواقف لأصحاب وأحباب استشاروني في مشكلات تخصهم


وأصدقك القول يا صديقي أني لم أختر أن ألعب هذا الدور وإنما مارسته رغماً عني فقد كانوا يستشيروني رغم أني قد أكون أحدثهم سناً ، وأقلهم خبرة فيما يستشيروني فيه، وأحدثهم عهداً في المكان .


ولكن هذا الدور الذي أديته -مجبراً لا مختاراً- أوجب علي أن أتقمص دور الناصح الأمين وأوجب علي أن أزيد من ثقافتي الحياتية ومعلوماتي العامة واستخلاص العبر من تجارب الآخرين , ودفعني بقوة للتعمق في علم النفس فولجت الباب بقوة أقرأ كل ما تحت يدي بنهم شديد.


و أتاح لي كم المشكلات التي حكاها لي أصحابها قدرة على تشخيص مشكلات أبناء جيلي ، ودقة في توزيع مساحة اهتماماتهم ، وسهولة في التواصل معهم .


وتدور بي السنون وأدخل الجامعة لأجد نفس المشكلات تتكرر بشخوص جديدة.


كنت أحب قبل أن أجيب على استشارة صديق أن آخذ وقتي لأفكر وأحلل الموقف وأضع المستشير في دائرة التحليل النفسي لأفهم أبعاد مشكلته وأتعمق في إيجاد حلول لها.


وصغت نموذج للتحليل النفسي يقوم على توزيع الإحتياجات الإنسانية فوضعتها تحت أربع تصنيفات رئيسية وعدد من التصنيفات الفرعية


كالتالي :


1- الحاجات الفيزيائية

وهي الحاجات الطبيعية الأولية التي لا يستغنى عنها الإنسان ليعيش من مأكل وملبس ومسكن وتعليم وصحة وكماليات الحياة وأدوات الترفيه .


2- الحاجات العقلية

فالعقل طاقة جبارة تأسن بالركود وينضب معينه من قلة الاستعمال ونقص التدبر والتفكر وعدم تخصيص وقت للمطالعة والقراءة والنقاش والعصف الذهني وتحليل المعلومات


3- الحاجات الاجتماعية – العاطفية

وهي حاجة الإنسان أن يعيش في مناخ أسري ومجتمعي ، يبادل أفراده الحب ويتقوى به على منغصات الحياة ، كأن يكون الإنسان فرد في الأسرة يبادل بقية الأفراد مشاعر الود الخالصة أو أن يكون رب الأسرة يبادل زوجته مشاعر الحب المخلصة والرحمة والشفقة والحب تجاه أبناءه .


4- الحاجات الروحية

وأعني بها حاجة الإنسان أن يشعر بالحب والخوف من خالقه

ويشعر بالأمان والسكينة والطمأنينة لأنه عبد لله ، والله لا يضيع عباده ، فيدرك الإنسان أنه جزء من منظومة متكاملة تشمل الخالق جل في علاه والمخلوقات وأن الخالق -سبحانه وتعالى- يجب أن يتوجه له بالعبادة الخالصة والنية الصادقة والخشية من عذابه ورجاء ثوابه.

-- -- -- --

وكنت ولا زلت –أؤكد- أن الخلل في توزيع الحاجات الإنسانية هو أهم مصادر المشكلات النفسية التي يعاني منها البشر (ولا أعني بالمشكلات النفسية الأمراض وإنما الشعور بالضيق والحزن وغياب الهوية والانتماء وغياب الحافز للعمل والميل للعزلة والرهاب الاجتماعي ومشكلات التواصل مع الآخرين)


ولنضرب على ذلك أمثلة :

* فنجاح المجتمع الغربي في تحقيق كفايته من الحاجات الفيزيائية لن يعوض النقص في الحاجات الروحية مهما بلغ من التقدم والرفاهية ما بلغ ، فيفقد الشعور بالسعادة وإن توفرت كل أسبابها في نظره !


* وغياب عنصر التفكير والمطالعة عند كثيرين لن يعوضه الطاقة الروحية القوية والروحانيات العالية وسيظل الخلل موجود ، ويظل تأثير العبادة غير متحقق بشكل سليم مهما بلغت من الكثرة ، ومن هنا كان التوكيد النبوي في كثير من الأحاديث على فضل العلم وتعلمه وإيجابه على كل مسلم ومسلمة ... يستوي في ذلك الكبير والصغير ، والعالم والجاهل .


* وغياب الجو الأسري و المناخ المجتمع الصحي (حاجة اجتماعية – عاطفية) يقتل الإبداع في الأفراد ويقلص قدراتهم على الإنتاج والتفكير والإبداع والعمل ، مهما نهلوا من معين العلم والثقافة ومهما كملت حاجاتهم الفيزيائية والروحية.


وإنما تستقيم النفس وتتحقق السكينة والطمأنينة الداخلية وتحقق السعادة والشعور بقيمة الحياة بالموازنة بين هؤلاء الأربع بدقة متناهية .


كل عام وأنتم بخير

الثلاثاء، أغسطس 25، 2009



تقبل الله منا ومنكم


رمضان فرصة للمراجعة والتأمل ليقدم كل منا كشف حساب لنفسه ويفتح صفحة جديدة ليتصالح مع الله ومع الآخرين

الشورى التي نريد

الجمعة، أغسطس 14، 2009



تابعوا حلقات ( الشورى التي نريد )
حلقتين اسبوعياً على منتدى شباب الإخوان ومنتدى كل الطلبة اضغط هنا

مدونتي ... سامحيني

الثلاثاء، أغسطس 11، 2009



أشتقت للعودة للكتابة!
نعم أن للكتابة بريق لا يخفت ..!
إذا شعرت يوماً أنك لست بحاجة للكتابة ... لست بحاجة لتدوين أفكارك .. ذكرياتك .. مشاعرك .. أهدافك .. فأنت واهم!
إذا أنتابك شعور الرضى على النفس من كثرة الأعمال وتشعبها ..فتذكر دوماً حصنك الحصين ..!
دون أفكارك وذكرياتك ومشاعرك قبل أن تفقدها !
أسرع بتقييدها قبل أن تحل وثاق نفسها وتغادرك إلى الأبد!
أبدأ من جديد ولا تتردد ولا تدع حماسك يفتر

تتدافع الأفكار في ذهني ولا أدري بأيها سأبدأ ... ولكني أثق أني سأبدأ وسأعود أقوى مما كنت .. ولن أنسى مدونتي ثانية ..

بسم الله نبدأ من جديد ..

الإسلام... ذلك الدين الإنساني!

الاثنين، مايو 11، 2009

هذه الكلمات أهديها لأخي الحبيب إسلام
----------------------------------------------------------------
الحب .. السلام .. التسامح .. الإخاء .. الحرية .. الإنسانية .. العدل ..
ألفاظ جميلة، لمعاني غائبة!

يخطئ من يرى تناقضاً بين الإسلام والإنسانية، بل العجب كل العجب أن تحارب الإنسانية باسم الدين!
فإذا تكلم أحد عن الإنسانية أو عن أخوة الإنسان لأخيه الإنسان قيل له: إنك تميع عقيدة الولاء والبراء!

والمتأمل في المنهج الإلهي الخالد (القرآن الكريم) يجد أن الله تعالى وضع فيه القواعد الكبرى الأساسية في ماهية الإنسان وقيمته وكرامته، فهو قد أخبرنا في سورة البقرة أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض! وهو إنما نال الخلافة لإنسانيته لا لدينه! ولما سألت الملائكة قالت: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)!! فهي إنما استنكرت شيئين: الإفساد في الأرض! بكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى، وسفك الدماء، أي القتل! القتل! القتل! ولم تقل الملائكة: أتجعل فيها من يكفر بك؟! ولم تقل: أتجعل فيها من يدين بدين غير الإسلام! بل قالت: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء!!وسفك الدماء أمر مناقض للإنسانية! ولفطرة النفس الإنسانية.
ونجد أن الله تعالى يقرر بشكل واضح وحاسم في القرآن الكريم كرامة الإنسان فيقول في سورة الإسراء: (ولقد كرمنا بني آدم.....) ومن كرمه الله فلا يحق لأحد أن يهينه كائناً من كان! بل الله تعالى وحده هو الذي له الحق بإهانته (ومن يهن الله فما له من مكرم) والإهانة أمر مختص بالله تعالى ولو قرأتم كل المواضع التي ذكر فيها لفظ الإهانة في القرآن الكريم لم تجدوه يخرج عن اقترانه بالعذاب(الأخروي)! وهذا القرآن بين يديكم فتأملوا فيه كما تشاءون..و حين نقرأ سورة الحجرات نجد أن الله تعالى يوجه نداءه إلى الناس كافة فيقول يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)!
هكذا باختصار!! وبلا تلوين!! ذكر وأنثى وانتهى الأمر! ذكر كسائر الذكران وأنثى كسائر الإناث!

وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعاركوا نعم لتعاركوا (بالكاف) أليس كذلك؟!!
هكذا نفهم نحن الآية! وهكذا نطبقها في حياتنا!
لقد قال الله تعالى(لتعارفوا) والتعارف دائماً سبب للمودة والحب وتقوية الروابط بين البشر!
لكننا مع الأسف جعلنا اختلاف الأجناس والألوان والألسنة موطن استهزاء واحتقار وتندر وازدراء!
مع أن هذا الاختلاف موطن تسبيح وتعظيم للخالق الجليل..

الكرامة الإنسانية:
تأملت في آي القرآن فبهرت بمعاني سامية واضحة كالشمس ولكن لا يفقها قساة القلوب غلاظ الفطرة –ولو كانوا مفسرين!- وإنما يعقلها أولوا الألباب وأصحاب الفطرة السوية والنفس الإنسانية المستقيمة.

عانت الإنسانية معاناة قاسية من العنصرية البغيضة التي تحصر الكرامة الإنسانية في صنف من الناس دون غيرهم؛ فتضع بذلك منهج الاستعباد والتبعية للعنصر الأعلى. فالنازية كانت تبشر بتفوق العرق الآري، واليهود أدمنوا خرافة شعب الله المختار .)وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(فرد عليهم الله –عز وجل- في كتابه الخالد ليظل قرآناً يتلى إلى يوم القيامة!
هكذا واضحة بدون مواربة، لا تفوق نوعي لإنسان على أخيه ولا تفرقة، الجميع سواسية كأسنان المشط! ، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، لا فضل لأبيض على أسود....!
إنها الثورة الشاملة...
نعم الثورة ضد العنصرية وضد العبودية (عبودية الإنسان لأخيه الإنسان) وضد الذل .لقد فهمت من الآية أن تنديد القرآن بإفتراءات اليهود والنصارى تحذير لأمة الإسلام من الوقوع في نفس المنزلق، والهدف تأصيل مبدأ كرامة الإنسان...؛ لإنسانيته أولا وقبل كل شيء، فمن أي عرق انحدر وإلى أي دين وعقيدة انتمى فهو إنسان له كرامته الذاتية.
فالقرآن نص على منح الكرامة من الله تعالى لعموم بني آدم في قوله {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.
-----------------------------------------------------------
خاطرة ألحت علي بعد أن قرأت كتاب ينتقد حقوق الإنسان في الإسلام!
أقتبست بعضاً من عبارات مقال في صحيفة عكاظ وملخص كتاب ..

مقبل على فترة إمتحانات طويلة نسبياً سأبدأها بالغد إن شاء الله

ولكن العراق لا بواكي له!

الخميس، أبريل 16، 2009


هذا المقال كتبه د راغب السرجاني وإن كنت أجريت عليه بعض تعديلات
لا ينكر أحد أبدًا أن فترة حكم صدام حسين للعراق كانت فترة كئيبة حزينة، دفع فيها الشعب العراقي الكثير والكثير من ثرواته وحريته، وحُكم فيها العراق بالحديد والنار، وأصبح القهر والظلم والاستبداد هي السمات الغالبة على طريقة سياسة الناس، تمامًا كما يحدث في معظم البلاد العربية.


 وترقب كثير من أبناء الشعب العراقي يوم الخلاص من الطاغية الجبار، وفعلوا كما يفعل الناس يوم القيامة، فإنهم من هول ذلك اليوم يظنون أن النار أهون، فيسألون الله الحساب ولو إلى النار!

وهكذا ظن كثيرٌ من أفراد الشعب العراقي أن الخلاص من صدام هو الغاية، ولو إلى الأمريكان!

وحدث ما تمناه البعض، وما يتمناه كذلك الكثير من أبناء الدول العربية الأخرى، حيث تعاني الشعوب من قهر حكامها فيلجئون إلى الزعامات ذات التوجُّه الأمريكي الواضح؛ أملاً في أن تنظر أمريكا إلى البلد بعين الرأفة بعد إزاحة طغاتها. ولقد سمعتُ بأذني أكثر من واحد يقولون: يا ليت أمريكا تأتي إلى بلادنا كما ذهبت إلى العراق، فتقيم حكمًا ديمقراطيًّا، وتُقِرّ انتخابات نزيهة، وتزيل طُغمة حاكمة ظالمة، وتسمح للشعب أن يختار قيادته وممثليه، بل إنني قابلتُ عراقيًّا في أيرلندا يلومني بعد إلقائي محاضرة هناك؛ لأنني في آخر المحاضرة دعوت الله U أن يحرِّر العراق، ووجهُ اللوم أنه يرى أن الجيوش الأمريكية جيوش صديقة أتت برضا النظام الحاكم، وقد أزالت الطاغية صدام الذي استحالت الحياة تحت حكمه!! 

وأنا لا أتعجب من سعادته لذهاب صدام، فقد كان طاغية حقًّا، ولكني أتعجب من أنه لا يرى الحال الذي آلت إليه العراق بعد الاحتلال الأمريكي.

إننا عند سرد النظريات نتكلم كما نشاء، ونفترض كما نشاء، ونحلِّل كما نشاء، ولكن بعد مرور ست سنوات على الاحتلال خرج الأمر من طور التنظير والتوقع إلى طور تحليل الواقع المرئيّ، والأحوال المشاهدة.

إننا نستطيع الآن أن نقوِّم التجربة، وأن نرى النتائج، وأن نعلم حالة الشعب العراقي بعد ست سنوات من دخول أمريكا إلى الأرض العراقية..

أولاً: قتلى الشعب العراقي في هذه السنوات الست بلغ عددًا لا يمكن تخيله!

قدَّر مركز استطلاعات الرأي الإنجليزي ORB عدد القتلى العراقيين من إبريل 2003 إلى أغسطس 2007 (قبل ما يقرب من عامين) بمليون وثلاثة وثلاثين قتيلاً!! وهو رقم هائل، ولكنه ليس عجيبًا بالقياس إلى عدد القتلى الذي نشاهدهم على شاشات التليفزيون كل يوم، وقد تعددت أسباب الوفاة، ولكن الموت واحد. وقد ذكر مركز الاستطلاع أن عدد القتلى الذين قتلوا برصاص الأمريكان وصل إلى 40% من القتلى، إضافةً إلى 8% قُتلوا عن طريق غارات جوية. ولا شكَّ أن هذه الأرقام المفزعة أكثر بكثير مما كنا نراه أيام صدام، مع بشاعة ما كان يحدث أيام صدام، فقد دأبت المصادر على تصوير إجرام صدام عندما قتل خمسة آلاف في قرية حلبجة الكردية، وهو رقم كبير ولا شكَّ، ولكن أين هو من المليون؟!


التعذيب في سجون الاحتلال 

ثانيًا: ذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش في تقريرها عن العراق عام 2008 أن عدد المحتجزين في السجون العراقية بشأن قضية الاحتلال ومقاومة المحتل الأمريكي بلغ عدد 24 ألف معتقل في عام 2008،  وليست المشكلة فقط في مجرد الاحتجاز، ولكننا جميعًا شاهدنا ما يحدث في سجن أبي غريب من إهانة وامتهان لكرامة المسلمين، وذلك بصورة لفتت أنظار العالم أجمع، كما نعلم.


ثالثًا: بلغ عدد المشردين العراقيين 4.8 مليون عراقي! وقد ذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش في تقريرها أن حوالي 2 مليون من هؤلاء مشرَّد خارج الحدود العراقية، وأغلبهم في سوريا والأردن، وهذا يعني أن خُمس الشعب العراقي المتبقي بعد القتل أصبح مشردًا. كما أن مستقبل الجميع في خطر شديد، ليس أمنيًّا فقط، وليس اقتصاديًّا فحسب، ولكن لأن الكثير منهم من الأطفال الذين فقدوا عائلهم، وقد ذكرت إحصائيات اليونيسيف أن هذا القتل البشع في العراق قد خلَّف من 4 إلى 5 ملايين يتيم تعولهم 1.5 مليون أرملة!


تدهور الوضع الأمني العراقي بعد الاحتلال

 رابعًا: حالة الفوضى الأمنية التي تتعرض لها العراق الآن غير مسبوقة في تاريخ العراق كله، بل لعلها غير مسبوقة في تاريخ المنطقة بكاملها. ولعلَّنا إذا قارنا الوضع بما يحدث في فلسطين لأدركنا الكارثة، فإن فلسطين تتعرض لمشكلة كبيرة جدًّا تحت الاحتلال الصهيوني، ومع ذلك فمصابهم أقل بكثير مما نراه في أرض العراق، وليس هذا تقليلاً من الأزمة الفلسطينية، ولكنْ لفت الانتباه لحجم المشكلة العراقية.


  
خامسًا: كيف كان الجيش العراقي قديمًا، وكيف صار الآن؟ اسألوا أنفسكم يا من توقعتم الخير للعراق بعد دخول الأمريكان! لقد سُرِّح الجيش العراقي بأكمله تقريبًا، وبعد أن كانت العراق القوة السادسة عسكريًّا على مستوى العالم، وكان جيشها أقوى جيوش الشرق الأوسط، وكان يبلغ من العدد أكثر من مليون جندي سنة 1990م، وهو بذلك رابع جيش في العالم من ناحية العدد، صارت دولة بلا جيش أصلاً. ولا يخفى على أحد أن ما يسمَّى الآن بالجيش العراقي، والذي تقوم القوات الأمريكية المحتلة بتدريبه، ما هو إلا قوات هزيلة تهدف إلى حفظ الأمن الأمريكي قبل العراقي، وهذه القوات لا تملك بحالٍ من الأحوال طاقات الجيوش، ولو خرج الأمريكان في يوم ما فإنَّ هذا الجيش لا يقوى على دفع أي جيش محتل آخر، سواء كان صهيونيًّا أو إيرانيًّا. 

سادسًا: من الناحية العلمية أصبحت دولة العراق متخلفة بمعنى الكلمة، فقد دُمِّرت البنية التحتية العلمية تمامًا، وأغلقت الجامعات الكبرى، بل ودمرت الآلاف من المدارس، وتسابقت العقول العراقية المتميزة في الخروج من العراق، والهجرة إلى أي مكان في العالم. والعجيب أن الدول التي احتلت العراق هي من أكثر الدول التي تستقبل المهاجرين العراقيين من العلماء، وقد بلغ عدد الأطباء العراقيين الذين هاجروا إلى بريطانيا فقط أكثر من ألفي طبيب، فإذا أخذنا في الاعتبار أن الطبيب العراقي كان يكلِّف دولته في السبعينيات حولي 45 ألف دولار لكي يُنهي دراسته التخصصية، علمنا أن الخسارة المادية بلغت نحو 100 مليون دولار (بحساب السبعينيات) في بريطانيا فقط، وبسبب هجرة الأطباء فحسب، فضلاً عن الخسارة العلمية بمغادرة هؤلاء للعراق، فضلاً عن الخسارة الصحيَّة الناتجة عن فَقْد الأطباء، فإذا أضفت إلى ذلك هجرة العلماء والمهندسين والفلكيين والمحاسبين وغيرهم من التخصصات علمت مدى الفاجعة التي نكبت بها دولة العراق.


وقد وصل الأمر إلى أن تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية الصادر من القاهرة، والذي يشرح الحالة العلمية في الدول العالمية، ويعتمد على تقريرات من البنك الدولي، قد فشل في معرفة عدد العلماء أو الفنيين في العراق بالنسبة إلى عدد السكان، وذلك للندرة الشديدة لهم، إضافةً إلى فقْد الوسائل العلمية للإحصاء في ظل الوضع الأمني المتردي في الدولة.

سابعًا: الوضع الاقتصادي في العراق لا يحتاج إلى تعليق، فبعد أن كانت العراق من أغنى دول العالم، ومن الدول التي تستقبل العمال والفلاحين والمهنيين الراغبين في الثراء، تبدَّل الحال تمامًا حتى أصبحت من أفقر دول العالم! مع أنها تعوم على بحيرة من النفط تختزن ثاني مخزون بترولي في العالم، فضلاً عن بقية الثروات المعدنية والزراعية. لقد كانت صادرات البترول العراقي في سنة 2001 تبلغ 15.5 مليار دولار على الرغم من الحصار الأمريكي، فأين كل ذلك الآن؟! لقد ذكر تقرير التنمية البشرية لعام 2005 أن نسبة الفقر في العراق تجاوزت 60%، وأن البطالة المعلنة أكثر من 38%، هذا إضافةً إلى 22% من البطالة المقنَّعة، مما يعني أن 60% من الشعب المتبقي بعد القتل لا يجد عملاً أصلاً، فضلاً عن فقر الدولة وانتكاسها.


أمريكا تشعل الفتنة بين السنة والشيعة بالعراق

ثامنًا: دعمت أمريكا الفتنة الطائفية في العراق، وأعلنت بمجرَّد دخولها عن رغبتها في رفع الظلم عن الطوائف المقهورة أيام صدام، وبذلك فتحت مجالاً واسعًا للشيعة بشكل خاص، وصاغت الدستور العراقي بالطريقة التي تجعل خروج رئيس الوزراء شيعيًّا بشكل إلزامي، والدستور يعطي رئيس الوزراء صلاحيات اختيار الوزراء، إضافةً إلى شغل منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبذلك يستطيع رئيس الوزراء الشيعي أن يختار من يشاء من طائفته في المناصب السيادية، ولن يمر هذا بهدوء في الشعب العراقي السُّنِّي، وسيحدث صراع وقتال وتصادم. ومع أن هذا التصادم لم يحدث على مدار عشرات السنين إلا أنه حدث - وبضراوة - في ظل الاحتلال الأمريكي.

وعودة إلى الفتنة الطائفيَّة، فقد حصدت أرواح الآلاف والآلاف من أبناء الشعب العراقي، ودخل الجميع في نفق مظلم طويل.

تاسعًا: سمعنا كثيرًا من الزعماء الأمريكان أنهم سيخرجون بعد فترة قصيرة جدًّا من تحرير العراق من رئيسه صدام! ومرَّ شهر وشهران وثلاثة، ومرت سنة وسنتان وثلاثة، والآن مرت ست سنوات، والقوات الأمريكية ما زالت قابعة في الأرض العراقية، ويبلغ عدد القوات الأمريكية في أرض العراق فقط حوالي 146 ألف مقاتل، فضلاً عن القوات الأمريكية في الكويت وقطر، ودعَّم أوباما - الذي وعد كثيرًا بسحب القوات الأمريكية من العراق - هذه القوات بزيارته لها بشكل مفاجئ، وذلك في 8 من إبريل 2009 بعد أقل من ثلاثة أشهر من توليه الرئاسة! مما يعني أن عملية سحب القوات - إن كانت حقيقيَّة - فهي ليست في القريب العاجل.


سحق وتدمير الشعب العراقي

عاشرًا: بهذا السحق للشعب العراقي وحكومته، وبهذا التدمير الرهيب للجيش والدولة، فقدت المنطقة توازنها التاريخي، وبدأت إيران في التدخُّل المباشر في أرض العراق، بل وقامت بالتهديد السافر الواضح للبحرين والإمارات. ويجب على الجميع أن يتوقع أنه عند خروج الجيش الأمريكي فإنَّ معظم الأنظمة التي تحيط بإيران لن تقوى بحال على صَدِّها، خاصةً إذا وضعنا في الحسبان التنامي المستمر لحزب الله في لبنان، إضافةً إلى السيطرة العَلَويَّة في سوريا، وهذا كله يشير إلى مستقبل خطير لا بُدَّ من دراسته بعمق.


كانت هذه هي الكارثة العاشرة لاحتلال أمريكا للعراق.. فتلك عشرة كاملة!!

 يبقى أن نقول إننا لا نذكر كل هذه الحقائق والإحصائيات ليشعر المسلمون بالإحباط واليأس، فإن الجيوش المحتلة حتمًا ستخرج، وإنَّ البلاد العراقية حتمًا ستحرَّر، ولكننا ذكرنا كل هذه الحقائق لنخرج بالعِبْرة الكبرى من كل هذه القصة.. وهذه العبرة هي أنه مهما تفاقم ظلم الظالمين في البلاد المسلمة فإنَّ البديل لا يكون أبدًا في الاحتلال الأجنبي لهذه البلاد، ولقد رأينا أن الأمريكان أنفقوا في هذه الحرب حتى الآن أكثر من خمسمائة مليار دولار، فهل ساهمت أمريكا بهذا المبلغ شفقةً على أهل العراق من صدام؟! أم أن الأجندة الأمريكية تحمل أهدافًا أخرى، في مقدمتها تدمير هذه القوة المتنامية في العراق، وحفظ أمن الصهاينة، ونهب المقدرات البترولية الثمينة، والاقتراب من العدو التقليدي روسيا، والتمركز في داخل بلاد الإسلام، وغير ذلك من أهداف عدوانيَّة لا تمتّ للشرف والفضيلة والأخلاق بشيء؟! 

إننا بعد أن رأينا هذه الصورة المفجعة للواقع العراقي لا نطالب الشعوب العربية بقبول حكامها الطغاة، ولا نطالب بالرضا بأمثال صدام حسين، ولكن نطالب كل شعب أن يبحث عن الآليات المناسبة للخروج من أزمته، ولرفع الظلم عن كاهله، على ألاّ تكون هذه الوسيلة هي جلب قوات محتلة إلى البلاد قد لا تخرج قبل عشرات السنين.

إنها رسالة واضحة إلى الشعب العراقي، وإلى الشعوب المسلمة في كل مكان:

ما حكَّ جِلـدَك مثلُ ظُفـرِك *** فتولَّ أنتَ جميـعَ أمـرك
----------على الهامش----------
نجح المقدسيون بالتعاون مع فلسطينيين من الأراضي المحتلة عام 1948م في إفشال محاولة قطعان من المغتصبين اليهود لاقتحام المسجد الأقصى ضمن احتفالاتهم بما يُسمَّى بـ"عيد الفصح اليهودي".

وأفادت الأنباء أنَّ ما يزيد عن ألف فلسطيني من القدس المحتلة وفلسطينيي الخط الأخضر استطاعوا الدخول إلى الحرم المقدسي؛ لردع مسيرة "شد الظهر" التي حاول مغتصبون ومتطرفون يهود تنفيذها اليوم الخميس في المسجد الأقصى، بالرغم من الإجراءات المشددة التي تبناها الاحتلال الصهيوني على الحواجز، ومنعه مَن هم دون سنِّ الخمسين عامًا من الدخول إلى الحرم القدسي.
ويسيطر الفلسطينيون حاليًّا بشكلٍ كاملٍ على الوضع داخل الحرم القدسي الشريف، فيما أكد الصهاينة أنَّ عملية الاقتحام أخفقت بنسبة 80%، خاصةً أنَّ المجموعات الفلسطينية تصرُّ على البقاء في مكانها؛ لمنع المغتصبين من تكرار المحاولة".
ومن ضمن الموجودين بالأقصى محمد حسين مفتي القدس، وعدنان الحسيني محافظ المدينة، وإبراهيم صرصور رئيس الحركة الإسلامية بالجنوب الفلسطيني.

وأدَّى مئات من الفلسطينيين الصلوات قرب المسجد الأقصى؛ لمواجهة محاولات المتطرفين الصهاينة من دخول ساحات المسجد؛ لإقامة الطقوس والشعائر الخاصة بهم ضمن الاحتفالات بعيد الفصح اليهودي.

ولا تزال الشرطة الصهيونية تفرض إجراءاتٍ أمنية مشددة، وينتشر أفرادها بكثافةٍ على مداخل البلدة القديمة بمدينة القدس المحتلة؛ لمنع فلسطينيي الضفة الغربية من الدخول إليها.
وعمد المغتصبون إلى تغيير خطتهم لاقتحام الأقصى، واقتصروا فقط على الوجود فقط بساحة البراق، كما تقلصت أعداد المتطرفين اليهود إلى بضع مئاتٍ بدلاً من الآلاف كما كان مقررًا.

لماذا القاهرة بعيدة عما يحدث في غزة؟
أين تحركات القوى الإسلامية والسياسية والنقابات والجامعات؟
لماذا القاهرة دون غيرها من العواصم العربية كعمان لا انعكاس فيها لما يجري في القدس؟

قراءة غير بريئة للتغيير في مصر

الثلاثاء، أبريل 07، 2009


مقال خطير جداً ويحمل دلالات بالغة الأهمية... للكاتب فهمي هويدي
لا نستطيع أن نغفل القراءات الإسرائيلية للوضع في العالم العربي، خصوصا ما صدر منها عن مسؤولين كبار يتربعون على رأس المؤسسة الأمنية. هذه قراءة أحدهم لاحتمالات الوضع في مصر.

(1)
يستحيي المرء أن يذكر أن أحد أسباب الاهتمام بما يقوله هؤلاء، رغم ما نكنه لهم من بغض، إنهم في بعض الأحيان يعرفون عنا أكثر مما نعرف نحن، الأمر الذي يدفعهم إلى الإدلاء بمعلومات تعد عندنا من الأسرار المحجوبة عن الرأي العام، فضلا عن أن ما يقولونه يفصح عن بعض ما يخططون لنا ويدبرون. وحين يأتى ذلك على لسان مسؤولين في أهم مؤسسة بالدولة، فإنه يكتسب أهمية خاصة، تسوغ أن يؤخذ الكلام على محمل الجد، لأنه يصبح معبرا عن معلومات ومواقف الدولة، ولا ينبغي أن يستقبل بحسبانه آراء أو اجتهادات شخصية.
أتحدث عن محاضرة ألقاها فى معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي آفى ديختر حين كان وزيرا للأمن الداخلي، وتحدث فيها بإسهاب عن رؤية إسرائيل للأوضاع في المنطقة، بتركيز خاص على سبع دول من بينها مصر والسودان، ومعها فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران.
المحاضرة ألقيت يوم الخميس الرابع من شهر سبتمبر الماضى، قبل العدوان على غزة، وقبل انتخاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وحين كان إيهود أولمرت رئيسا للحكومة الإسرائيلية . على المستوى الإخباري تبدو المحاضرة قديمة نسبيا، لكنها تظل طازجة ومحتفظة بأهميتها من زاوية التحليل السياسي. فقد مرت عدة أسابيع قبل أن يتسرب نص المحاضرة التي ألقيت بالعبرية، وحين ترجمت إلى العربية فقد استغرق ذلك وقتا آخر، وعندما وقعت عليها بعد ذلك، فإنني ترددت طويلا في نشر مضمونها، نظرا لحساسية المعلومات الواردة فيها. إلا أنني تشجعت بعد ذلك حين حلت مناسبة مرور 30 عاما على المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية، وتطرقت الصحف المصرية إلى ملف العلاقات مع إسرائيل بكلام لامس الخطوط الحمراء ورفع الحرج عن بعض عناوينه، الأمر الذي ضيّق من مساحة المحظورات ووسّع من هامش المباحات. ومن ثَم فتح الباب لاستعراض المعلومات التي تضمنتها المحاضرة. ولعلي لست بحاجة للتنبيه إلى أن هذه المعلومات لا ينبغي أن نُسلِّم بصحتها على طول الخط، ولكنها تظل قابلة للمراجعة والتصويب فضلا عن النقض بطبيعة الحال.

(2)
وهو يقدم تصوره للعلاقة مع مصر، فإن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي حرص على القول بأن البلدين "ينعمان" بسلام شامل وعلاقات أكثر من طبيعية. وهذه الخلفية التي تعيها جيدا القيادتان السياسية والأمنية، بلورت محددات للسياسة الإسرائيلية إزاء مصر تمثلت في ضرورة تعميق وتوطيد العلاقات مع الرئيس حسني مبارك، والنخب الحاكمة سواء في الحكومة أو في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. مع توجيه اهتمام خاص إلى رجال السياسة ورجال الأعمال والإعلام، يقوم على المصالح المشتركة التي تحقق مصالح الجانبين. وفي هذا السياق تحتل العلاقة مع النخب الإعلامية المصرية مكانة خاصة، بالنظر لأهمية دور وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام وبلورة اتجاهاته.
استطرد السيد ديختر قائلا إن إسرائيل وهى تسعى إلى تمتين صلاتها مع القاهرة، بحيث تقوم على مرتكزات ثابتة، فإنها شديدة الحرص على نسج علاقة خاصة مع أقوى شخصيتين في البلد، هما اللتان ستتوليان السلطة بعد رحيل الرئيس مبارك. وهاتان الشخصيتان هما جمال مبارك نجل الرئيس المصري، وعمر سليمان رئيس المخابرات العامة، الذي أصبح له حضوره الواسع داخل مصر وخارجها. وأشار في هذا الصدد إلى أن من مصلحة إسرائيل الحفاظ على الوضع الراهن، ومواجهة تطورات لا تحمد عقباها، إذا حدثت تحولات مناقضة لتقديراتها، المبنية على أن السلطة في المستقبل سوف تنتقل من الأب إلى الابن.
سيناريوهات المستقبل في مصر كانت ـ ومازالت ـ أحد الموضوعات التي تدور حولها مناقشات مستمرة في أروقة السلطة. عبر عن ذلك آفى ديختر حين قال في محاضرته إنه منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد في عام 1979، وأحد الأسئلة الشاغلة للعقل الإسرائيلي هو: كيف يمكن الحيلولة دون حدوث تغيير دراماتيكي في مصر؟
في الرد على السؤال ـ قال إنهم حددوا سيناريوهات التغيير الدراماتيكى في ثلاثة احتمالات:
الأول أن تتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر، وتفقد الحكومة السيطرة على الموقف، مما قد يفضى إلى اضطرابات تمكِّن الإخوان المسلمين من الوصول إلى السلطة ـ الثاني أن يحدث انقلاب عسكري بسبب سوء الأوضاع العامة، تقوده عناصر شابة طموحة تركب الموجة وتستولي على السلطة. وهناك أسباب وجيهة تستبعد هذا الاحتمال ـ الثالث أن يعجز خليفة مبارك، سواء كان ابنه أو رئيس المخابرات العامة عن مواجهة الأزمة الداخلية، مما قد يجر البلاد إلى الفوضى والاضطرابات. وفى هذه الحالة قد يكون الخيار الأفضل أن تجرى انتخابات عامة تحت إشراف دولي، تشارك فيها حركات أكثر أهمية من حركة «كفاية» مما يؤدي إلى ظهور خريطة جديدة للتفاعلات الداخلية.

(3)
من استعراض هذه الاحتمالات الثلاثة استطرد آفى ديختر قائلا:
• إن عيون إسرائيل وكذلك الولايات المتحدة مفتوحة على ما يجرى في مصر. وهما يرصدان ويراقبان ومستعدان للتدخل من أجل كبح جماح هذه السيناريوهات، التي ستكون كارثية بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة والغرب.
• من وجهة النظر الإسرائيلية فإن انسحاب مصر من اتفاقية السلام وعودتها إلى خط المواجهة مع إسرائيل يعد خطا أحمر، لا يمكن لأي حكومة إسرائيلية أن تسمح بتجاوزه. وهى ستجد نفسها مرغمة على مواجهة هذا الموقف بكل الوسائل..
• لأن المؤشرات الميدانية تبين أن النظام في مصر يعاني الآن من عجز جزئي عن السيطرة على الوضع بصورة كافية، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تسهمان في تدعيم الركائز الأساسية التي يستند إليها النظام. ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار، قادر على تحليل الحيثيات التي يجرى جمعها وتقييمها، ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن وتل أبيب وحتى في القاهرة.
• تحرص الولايات المتحدة وإسرائيل عبر ممثلياتهما المختلفة في مصر (السفارات والقنصليات والمراكز الأخرى)، على إسناد حملة جمال مبارك للفوز بتأييد الشارع والرأي العام المصري ودعم أنشطته المختلفة، الاجتماعية والثقافية، ليكون أكثر قبولا من والده في نظر المصريين.
• من قبيل تحصيل الحاصل، القول بأن لدى الولايات المتحدة وإسرائيل إستراتيجية استباقية لمواجهة أي متغيرات في مصر. ذلك أن واشنطن بعدما وطأت أقدامها مصر بعد رحيل الرئيس عبد الناصر وتولي السادات زمام السلطة، أدركت أنه لابد من إقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية، على غرار ما فعلته في تركيا منذ الحرب العالمية الثانية. وانطلاقا من ثقتها بهذه الركائز وقدرتها على لجم أية مفاجآت غير سارة، فإن واشنطن تبدو أقل قلقا وانزعاجا منا إزاء مستقبل الأوضاع في مصر.
• الثقة الأمريكية تعتمد على عدة عوامل منها ما يلى: إقامة شراكة مع القوى والفعاليات المؤثرة والمالكة لمختلف عناصر القوة والنفوذ، من رجال السلطة إلى رجال الأعمال والإعلام ـ شراكة أخرى مع الأجهزة الأمنية باختلاف مستوياتها ـ تأهيل محطات إستراتيجية داخل المدن الرئيسية التي هي مراكز صنع القرار في مقدمتها القاهرة والإسكندرية ـ الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة بإمكانها الانتشار خلال بضع ساعات للسيطرة على مراكز عصب الحياة بالعاصمة ـ مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد خاصة بها للتحرك عند اللزوم.

(4)
في تقدير آفى ديختر أن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في مصر تصنف على أنها من النوع غير القابل للحل. لذلك فإن كل الإجراءات والإصلاحات التي اتخذت في عهد الرئيس مبارك لم تعالج الخلل الموجود. وهو ما أعاد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ثورة يوليو 1952. ذلك أن سيطرة رأس المال ورجال الأعمال على الحياة السياسية والاقتصادية أحدثت استقطابا بين الشرائح الاجتماعية، حيث أصبحت هناك أقلية لا تتجاوز 10٪ تتحكم في السلطة والثروة، مقابل أغلبية ساحقة في الطبقة الدنيا التي تعاني من الفقر أو تعيش تحت خط الفقر.
هذا الوضع ـ إضافة ـ يثير مخاوف النظام القائم، كما يثير مخاوف حلفائه وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ذلك أن أي متغير في مصر من شأنه أن يؤثر بشكل كبير على البيئة الإقليمية في المنطقة بأسرها. مع ذلك من الواضح أن النظام القائم في مصر أثبت حتى الآن كفاءة وقدرة ليس فقط على احتواء الأزمات، ولكن أيضا على التكيف مع الأوضاع المأزومة.
ورغم أن ثمة تنسيقا كافيا بين واشنطن وتل أبيب لمواجهة جميع الاحتمالات، فإن إسرائيل لها تصورها الخاص في التعامل مع متغيرات الوضع في مصر. إذ هي مستعدة لمواجهة أي طارئ بما في ذلك العودة إلى «احتلال» شبه جزيرة سيناء، "إذا استشعرنا أن تلك المتغيرات من شأنها أن تحدث انقلابا في السياسة المصرية إزاء إسرائيل. ذلك أننا حين انسحبنا من سيناء ضمنا أن تبقى رهينة". وهذا الارتهان تكفله ضمانات أمريكية من بينها السماح لإسرائيل بالعودة إليها إذا اقتضى الأمر ذلك. ثم إن هناك قوات أمريكية مرابطة في سيناء تمتلك حرية الحركة والقدرة على المراقبة، بل ومواجهة أسوأ المواقف وعدم الانسحاب تحت أي ظرف.
تعلمنا من تجربة عام 1967 دروساً لا تُنسى، هكذا قال ديختر، فسيناء مجردة من السلاح ومحظور على الجيش المصري الانتشار فيها. وتلك هي الضمانة الأقوى لاحتواء أي تهديد افتراضي من مصر. ولم يعد سرا أن الموافقة على إدخال 600 من أفراد الشرطة وحرس الحدود والأمن المركزي المصري إلى سيناء للتمركز حول حدود قطاع غزة، لم تتم إلا بعد دراسة مستفيضة من جانب الطاقم الأمني وبعد مخاض عسير داخل الحكومة الإسرائيلية. وفي كل الأحوال فإن تمسك إسرائيل بتجريد مسافة بعمق 350 كيلو مترا من السلاح في سيناء يظل ضمانا لن تتخلى عنه تحت أى ظرف.
وهو ينهي حديثه في الشأن المصري، قال آفى ديختر: إن القاعدة الحاكمة لموقفنا هي أن مصر خرجت (من الصف العربى) ولن تعود إلى المواجهة مع إسرائيل. وذلك موقف يحظى بالدعم القوي والعملي من جانب الولايات المتحدة.
سواء كانت هذه معلومات أو تهويمات وأمنيات، فإنها تستحق القراءة المتمعنة والتفكير الطويل من جانبنا، لكنها تتطلب رداً وتفنيداً من جانب جهات القرار المعنية فى مصر، التي أساء إليها الكلام أيما إساءة. فى الأسبوع القادم بإذن الله نستعرض الكلام الخطير الذي قيل عن بقية الدول العربية.

تاريخ الحركة الإسلامية في تركيا

الاثنين، مارس 02، 2009

بقلم د/ راغب السرجاني

لعل من أكثر الأمور عجبًا أن نشهد صحوة إسلامية حقيقية في بلد شديد العلمانية مثل تركيا، فالعلمانية في تركيا غير العلمانية في أوربا ذاتها؛ لأن الأوربيين في علمانيتهم أرادوا فقط فصل الدين عن السياسة، بينما العلمانيون في تركيا لم يكتفوا بذلك، إنما بنوا علمانيتهم على أساس محاربة الدين في أصوله وفروعه، وفي جوهره ومظهره، وهذا من أيام أتاتورك وإلى زماننا الآن، والذي يتولى كبر هذا الأمر هو الجيش التركي.

ومع هذه العلمانية الشديدة إلا أن الإسلام ظل باقيًا في هذه البلاد العظيمة، وهذا أمر لافت للانتباه حقًّا، وإن كان يدل على شيء فهو يدل على أن هذه الأمة الإسلامية أمة كريمة لا تموت، وأن بقاء الإسلام أمر حتمي لا يمكن أن يقاومه إنسان، كما يدل فيما يدل على أصالة الشعب التركي، وعلى وجود رموز إسلامية باهرة ظلت تحمل الراية في مواجهة الطاغوت أتاتورك، ومن جاء بعده من حماة العلمانية في تركيا الإسلامية.

لقد كان سقوط الخلافة العثمانية في سنة 1924م سقوطًا مروِّعًا كارثيًّا، ليس فقط لغياب رمز الخلافة التي كانت تجمع المسلمين، ولكن لغياب من ينادي بإسلامية قضايا المسلمين، ولم يعد هناك صوت مسموع إلا أصوات القوميين والعلمانيين، ليس في تركيا فقط، ولكن في كل بلاد العالم الإسلامي، وبلا استثناء.

ومع هذا فلم يكن هذا السقوط بلا مقاومة، لقد ظهرت في تركيا بعض الرموز الإسلامية الرائعة التي حرصت على حمل اللواء حتى في أشد عصور الظلام والقهر.

لقد قامت حركة الشيخ سعيد بيران للمناداة بعودة الخلافة الإسلامية، ومناهضة القوانين العلمانية التي شرعها أتاتورك وحزبه، ولكن للأسف الشديد فإن الطاغية أتاتورك جابه هذه الحركة بدرجة كبيرة جدًّا من العنف، وأعدم الشيخ سعيد بيران، وعددًا كبيرًا من أتباعه، ونفى أعدادًا أخرى إلى خارج البلاد؛ ليحافظ على علمانية الدولة منذ أيامها الأولى.

والعجيب في أمر الشيخ سعيد بيران رحمه الله أنه كان من صوفية الأتراك، وكان من أتباع الطريقة النقشبندية، وهو بذلك يعطينا انطباعًا مختلفًا تمامًا عن الصوفية الذين نعرفهم؛ فهو يفهم واقعه تمامًا، ويعرف في أمور السياسة، ويجابه الطغاة الظالمين، ويقول كلمة الحق، ويقود تمردًا مسلحًا، ويُقبِل على الإعدام بشجاعة، ولا يُظهِر اعتزالاً أو بُعدًا عن قضايا أمته.. وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في ملف الصوفية في تركيا بالذات، وحقيقة الأمر أن الخلافة العثمانية منذ أيامها الأولى، وهي تتبنى الطرق الصوفية المختلفة، وليس عجيبًا أن تعرف أن كبار سلاطين الخلافة العثمانية مثل محمد الفاتح ومراد الثاني وبايزيد الصاعقة وسليم الأول وغيرهم كانوا من أتباع الطرق الصوفية، والواضح أن الصوفية في تركيا هي مرادف لكلمة الإسلام، وليس مقصودًا منها البدع والمنكرات التي نراها في كثير من بلاد العالم الإسلامي، ولا يعني هذا أن الصوفية في تركيا بلا أخطاء أو بدع، ولكنها بالتحقيق النزيه تعدّ من أفضل الطرق الصوفية فهمًا للدين على مستوى العالم الإسلامي، وهي تعني عند كثير من أتباعها هناك تزكية النفس، وتطهيرها من الآثام، والاتّباع الكامل لرسول الله r.

ولم تَمُتِ الحركة الإسلامية بإعدام الشيخ سعيد بيران، بل إنها ازدادت قوة بظهور نجم صوفي جديد من أتباع الشيخ سعيد بيران، وهو العلاّمة الكبير، والمجدِّد العظيم بديع الزمان سعيد النورسي، الذي أعلن بوضوح رفضه لمبادئ العلمانية الوقحة التي أتى بها أتاتورك، فنُفِي إلى مدينة نائية من مدن تركيا هي بوردو، ثم إلى مدينة أورفة، وظل في المنفى طيلة حياته حتى مماته، وذلك من سنة 1925م إلى سنة 1960م (35 سنة متصلة)، ومع ذلك فرسائله إلى أتباعه في داخل تركيا لم تنقطع، ومؤلفاته لم تتوقف، وهو أحد أهم أسباب انتشار الإسلام في تركيا، وهو من العلامات الفارقة في تاريخ الأمة الإسلامية؛ فقد كانت كلماته تنفذُ إلى القلب والعقل، فتثبِّتُ المسلمين في تركيا على الرغم من القهر الشديد لأتاتورك وأتباعه.. وفي العموم فإن قصة بديع الزمان النورسي تحتاج إلى دراسة خاصة، وإلى تعمق ووعي؛ لأن آثاره الحميدة على الشعب التركي ما زالت موجودة إلى الآن.

وفي خطوة لترسيخ العلمانية بشكل أكبر قامت الحكومة الأتاتوركية سنة 1930م (بعد سقوط الخلافة العثمانية بست سنوات) بإغلاق مدارس الأئمة والحفّاظ التي كانت منتشرة أيام الخلافة الإسلامية، والتي كانت تقوم بتخريج الطلبة المتخصصين في العلوم الدينية، لكن بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك سنة 1938م عادت المطالبة من جديد بفتح هذه المدارس، وخاصة في القرى التي ما زالت تحتفظ بشيء من تراثها الإسلامي الأصيل، وتم ذلك بالفعل في سنة 1947م، وفي نفس السنة تم إنشاء بعض الجمعيات الإسلامية على استحياء لتنادي ببعض المظاهر الإسلامية البسيطة، وذلك مثل جمعية الإسلام، وجمعية التطهير.

في سنة 1950م حدث تغيرٌ مُهِمٌّ في الحكومة التركية صعد على إثره عدنان مندريس إلى رئاسة الوزراء في تركيا، وظل في منصبه إلى سنة 1960م، ولم يكن عدنان مندريس إسلاميًّا ولكنه كان وطنيًّا يُظهِر إمكانية التعامل مع كافة القوى من أجل مصلحة تركيا. وفي هذه الظروف نشط الاتجاه الإسلامي نسبيًّا، وبدأت هناك بعض المطالبات بحريات أكثر وأكثر للتيار الديني، وزادت أعداد مدارس الأئمة والوعاظ، وبرز دور علماء الدين بشكل أوضح.

لم تكن هذه التغيرات خافية بطبيعة الحال عن الجيش التركي الذي يقوم بدور حامي العلمانية والأتاتوركية، فقام الجيش بانقلاب دموي رهيب في سنة 1960م، ونفذوا حكم الإعدام في عدنان مندريس، وكذلك في جلال بايار (مؤسس الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه عدنان مندريس) وفي عدد من أتباعه، مع التصدي بمنتهى العنف للتيارات الإسلامية المتنامية، وكانت هذه صدمة كبيرة للحركة الإسلامية في تركيا، خاصةً أنها جاءت في وقت متزامن مع وفاة العلاّمة الفذّ بديع الزمان النورسي في منفاه بمدينة أورفة في نفس السنة. ولكي ندرك مدى الحقد الذي كان في قلوب العسكريين ضد بديع الزمان النورسي، يكفي أن نعلم أنهم هجموا على قبره، وأخذوا جثته حيث دفنوها في مكان غير معلوم، ولا يعرفه أحدٌ من الأتراك حتى يومنا هذا!

ظل الوضع على هذه الصورة القاتمة إلى أن ظهرت شخصية محورية في تاريخ تركيا، وهو القائد الإسلامي الجليل نجم الدين أربكان، الذي قام بتأسيس حزب السلامة سنة 1972م، وكان ينادي بإقامة "النظام العادل"، ويبرز آفات العلمانية التركية المتشددة، ولم يكن حزبه الأول "السلامة" واضح الإسلامية؛ لكي لا يُقتل في مهده، ولكن كان يبدو إصلاحيًّا وطنيًّا.

وبعد تأسيس هذا الحزب الجديد التقى نجم الدين أربكان مع رجب طيب أردوجان، وكان طالبًا في كلية الاقتصاد والسياسة بمرمرة، وأعجب به إعجابًا شديدًا وضمه إلى حزبه السلامة؛ ليبدأ أردوجان خطواته السياسة مع أستاذه الموقَّر أربكان.

لم تكن هذه التحركات بعيدة عن أعين النظام التركي العلماني، فقام بحل حزب السلامة في سنة 1980م، وظنوا أن الأمر انتهى بهذا القرار، لكن المُخَضْرَم أربكان عاد وأنشأ حزبًا آخر سنة 1983م أسماه حزب الرفاه، والتي كانت توجهاته إسلامية بشكل واضح..

في هذا الحزب الجديد لمع نجم أردوجان بسرعة، وصار أردوجان رئيسًا لفرع الحزب في إسطنبول سنة 1985م (وكان عمر أردوجان آنذاك 31 سنة فقط).

انتشرت فروع حزب الرفاه بسرعة في تركيا، وبدأت صحوة إسلامية حقيقية في ربوع هذا البلد الإسلامي العريق، ولم تعد هذه الصحوة في القرى فقط، بل وصلت إلى المدن، بل وأصبحت السيطرة الكاملة لهذا الحزب الإسلامي في أهم مدينتين في تركيا، وهما إسطنبول وأنقرة.


وفي سنة 1994م حقق الحزب مفاجأة كبيرة بفوزه في انتخابات البلدية في عدة مدن، والأعظم من ذلك والأعجب هو فوز أردوجان بمركز رئيس بلدية إسطنبول!!

لقد كانت مفاجأة مدوِّية أن يصعد إسلامي إلى رئاسة بلدية إسطنبول؛ مما يشهد أن الانتخابات في تركيا نزيهة ليس فيها التزوير المشهور في البلاد العربية، وحقق أردوجان في منصبه الجديد إنجازات هائلة؛ ففي خلال أربع سنوات (من سنة 1994م إلى سنة 1998م) استطاع أن ينتشل المدينة من الإفلاس، وأن يحلَّ مشكلات كثيرة مثل انقطاع الكهرباء والمياه، واستطاع أن يحوِّل المدينة من مدينة تتفشى فيها القذارة والإهمال إلى واحة خضراء متميزة، وعندما سألوه عن السر وراء هذا النجاح منقطع النظير، قال في وضوح وشجاعة: "لدينا سلاح أنتم لا تعرفونه، إنه الإيمان، ولدينا الأخلاق الإسلامية، وأسوة رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام". وهذه الروح العالية والإنجازات الباهرة أكسبت أردوجان شعبية كبيرة جدًّا في تركيا، بل إنها كانت من أبلغ الوسائل للدعوة إلى الإسلام.

وفي سنة 1995م حدثت مفاجأة كبرى بفوز حزب الرفاه بأغلب المقاعد في الانتخابات البرلمانية في تركيا (158 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا)، ولكن الرئيس العلماني سليمان ديميريل عهد إلى الأحزاب العلمانية بتكوين ائتلاف ضد حزب الرفاه، ومع ذلك شاء الله U أن ينهار هذا الائتلاف ليصعد نجم الدين أربكان إلى منصب رئيس الوزراء في سنة 1996م، ويصبح أول رئيس وزراء إسلامي في تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م.

حدثت أزمة كبرى في داخل الجيش التركي، وفي داخل المؤسسة العلمانية، وكان من رأي بعض قادة الجيش أن يتركوا أربكان في منصبه حيث كانوا يتوقعون فشله، وعدم نجاح مشروعه الإسلامي، وبذلك تصل رسالة سلبية إلى الرأي العام في تركيا، لكن حدث ما لم يتوقعوه، ونجح أربكان خلال عام واحد في خفض ديون تركيا من 38 مليار دولار إلى 15 مليون دولار، واقترب من حل المشكلة الكردية العويصة، ونجح في إقامة علاقات دبلوماسية قوية على الساحة العالمية، وتقدم الاقتصاد التركي خطوات واسعة، وبات واضحًا تمامًا أن السر في هذا النجاح هو الإسلام!

شعر الجيش التركي بالخطر العظيم فأقدم على الخطوة الآثمة وهي الانقلاب العسكري على حكومة أربكان، ودخلت الدبابات التركية إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، وأجبر أربكان على الاستقالة، وتم حل حزب الرفاه، وقُدِّم أربكان إلى المحاكمة العسكرية بتهمٍ كثيرة أهمها انتهاك علمانية الدولة، وصدر القرار بمنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات، وفي نفس الوقت قُدِّم أردوجان رئيس بلدية إسطنبول إلى المحاكمة بتهمة إثارة الفتنة، وكان من أدلة الحكم ضده أنه قال بعض الأبيات الشعرية في إحدى خُطَبِهِ وفيها "المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حِرابنا، والمؤمنون جنودنا". وصدر القرار بسجن أردوجان عشرة أشهر، ودخل بالفعل السجن لمدة أربعة أشهر، ثم أفرج عنه لحسن السير والسلوك! كما تم منعه من مزاولة النشاط السياسي خمس سنوات هو الآخر.

لم ييئس أربكان وأردوجان من هذه الصدمات، فأسس أربكان حزبًا جديدًا أسماه حزب الفضيلة سنة 2000م، ولم يكن هذا الحزب باسمه؛ لأنه ممنوع من مزاولة العمل السياسي لمدة خمس سنوات، إنما كان باسم أحد أهم أتباعه وهو قوطان، وانضم إلى هذا الحزب أردوجان وعبد الله جول (الرئيس التركي الحالي).

وجد أردوجان وجول أن مصير الحزب سيكون كسابقه، ومن ثَمَّ قادا حركة إصلاحية في داخل الحزب، بل وترشحا ضد قوطان في انتخابات داخلية في الحزب، لكن وقوف أربكان خلف قوطان أدى إلى نجاح قوطان؛ مما دفع أردوجان وجول إلى ترك الحزب مع كامل تقديرهما لأستاذهما وأستاذ الحركة الإسلامية السياسية في تركيا نجم الدين أربكان. 

قام أردوجان وجول بتأسيس حزب جديد سنة 2001م، وهو حزب العدالة والتنمية، ونفّذا فيه مشروعهما الإصلاحي، ووجد هذا الحزب قبولاً واسعًا في الأوساط التركية الشعبية؛ مما أدى إلى مفاجأة ثقيلة جدًّا سنة 2002م حيث فاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مطلقة في الانتخابات البرلمانية، حيث حصل على 368 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا، وأوكل إليه تشكيل الوزارة برئاسة عبد الله جول؛ وذلك لأن رئيس الحزب أردوجان كان في فترة المنع من مزاولة النشاط السياسي، وبعد قليلٍ استطاع البرلمان أن يضغط لتغيير الدستور ليصعد رئيس الحزب أردوجان إلى منصب رئيس الوزراء في تركيا، وذلك في نفس السنة 2002م.

وفي سنة 2003م زال الحظر عن أربكان، فأسس حزبًا جديدًا هو السعادة، لكن الشياطين العلمانيين كانوا له بالمرصاد، وفعلوا ما توقعه أردوجان قبل ذلك، حيث تربصوا به واعتقلوه بتهمة اختلاس حزب الرفاه المُنحَلّ، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة سنتين، مع أنه كان قد تجاوز السابعة والسبعين من عمره!

وفي سنة 2006م أكد أردوجان شعبيته بالفوز مرة أخرى في انتخابات البرلمان، بحصوله على 331 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا؛ مما يثبت بوضوح أن الشعب التركي أصبح طالبًا للإسلام بشكل يهدِّد العلمانية بشكل صارخ.

أين الجيش التركي في هذه التغييرات الجديدة؟!

قد يفكِّر الجيش التركي في التعامل مع ملف أردوجان مثلما تعامل مع ملف أربكان، ولكن الواقع الذي نراه يرجِّح خلاف ذلك!

فالرأي العام التركي - بل والإسلامي في دول العالم الإسلامي المختلفة - قد يهدِّد سلامة وأمن الجيش التركي إذا أقدم على إزاحة رجل له هذه الشعبية الجارفة، كما أن رغبة القادة الأتراك في الجيش وفي غيره في الالتحاق بالاتحاد الأوربي تضع عليهم قيودًا حقيقية في التعامل مع ملف أردوجان؛ لأن تدخل الجيش التركي في اختيار الشعب سينسف كل الجهود السابقة للالتحاق بركب الاتحاد الأوربي. وأضف إلى ذلك الخطورة الاقتصادية الكبيرة لتدخل الجيش، وليس ببعيد ما حدث من انهيار البورصة التركية بنسبة 10% لمجرد تقديم أردوجان في عام 2008م للمحاكمة للطعن في شرعية حزبه، مع أن المحكمة حكمت في النهاية لصالح أردوجان، وليس ببعيد أيضًا أن تركيا في ظل حكومة أردوجان قد انتقلت اقتصاديًّا من المرتبة 115 على مستوى العالم في مسألة جذب الاستثمارات إلى المرتبة الثالثة والعشرين!

إننا لا نضمن الجيش التركي ولا العلمانيين فيه، ولكننا نضمن ونطمئن تمامًا إلى أن الله U لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإلى أن الإسلام قادمٌ قادم، وإلى أن البركات التي يُنزِلها الله U على الذين اختاروا منهجَ الإسلام أكثر وأعظم من أن تُحصى بورقة وقلم، أو تُحسب بالطرق المادية.

إنه يكفينا أن نتدبر في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

ونسأل الله U أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين!!

 مقال آخر (جذور العلاقة بين تركيا واليهود)

جدد حياتك

السبت، فبراير 21، 2009



مرت 7 سنين تقريبا على وفاة الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- 

فهو رجل بذل نفسه وقلمه في سبيل الدعوة، ولاقى في ذلك ما لاقى، وألّف لخدمة هذا الدين عشرات المؤلفات، وكتب آلاف المقالات، وحاضر، وخطب في مئات الندوات وعشرات الدول؛ فجزاه الله خير جزاء، وغفر له وأحسن مثواه... 

وأتناول في هذا الموضوع أحد كتبه القديمة المتجددة؛ ألا وهو "جدِّدْ حياتك"، فمنذ سنوات قرأت كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" للأمريكي "ديل كارنيجي".. وسبحان الله كلما تقدمتُ في قراءته أكثر قلت لنفسي: "والله ما هذا الكلام بجديد، وفي إسلامنا وقرآننا ما يفوقه ويعلوه، وحبذا لو ألف علماء المسلمين كتاباً على نفس الشاكلة"! 

ثم بعد سنوات اطلعت على كتاب الغزالي "جدد حياتك"، فوجدته يعرض تماماً ما جال بذهني عند قراءة كتاب كارنيجي، ويعرض الغزالي في مقدمة الكتاب أسلوب الكتاب، وهو: 

إطلاع القارئ على تناول الإسلام لموضوع معين بالأسلوب الرفيق المقنع مدعماً بالأدلة القرآنية والنبوية، ثم يستشهد أحياناً بشيء من كتاب "دع القلق وابدأ الحياة".. ويمد هذا الكتاب ببيناته وأسلوبه القارئ المؤمن شحنة معنوية تهوّن عليه أمور الدنيا ومشاكلها، وقد أحببت عرض أجزاء منه للإخوة القراء للاطلاع عليه؛ لما فيه من الإفادة القيمة والنافعة والمفيدة بإذن الله. 

وقد اعتمدت في عرضي لهذه الأجزاء على عرض فقرات منها مقتطفة من المقالات مع شيء يسير جدًّا من التعديل عند الضرورة، والله من وراء القصد. 

جدد حياتك 

كثيراً ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة في حياته، ولكنه يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة كتحسن في حالته أو موسم معين أو بداية عام أو شهر جديد مثلاً..! 

وهذا وهم.. فإن تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل النفس، والرجل المقبل على الدنيا بعزيمة وصبر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت ولا تصرفه وفق هواها، بل هو يستفيد منها، ويحتفظ بخصائصه أمامها... 

ثم إن كل تأخير لإنفاذ منهج تجدّد به حياتك، وتصلح به أعمالك لا يعني إلا إطالة الفترة الكآبية التي تبغي الخلاص منها، وبقاؤك مهزوماً أمام نوازع الهوى والتفريط، وما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات ناقدة في جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السياسات قصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلص من هذه الهنّات التي تزري به. 

إن تجديد الحياة لا يعني إدخال بعض الأعمال الصالحة أو النيات الحسنة وسط جملة ضخمة من العادات الذميمة والأخلاق السيئة؛ فهذا الخلط لا ينشئ به المرء مستقبلاً حميداً ولا مسلكاً مجيداً؛ فالأشرار قد تمر بضمائرهم فترات صحو قليل، ثم تعود بعد ذلك إلى سباتها. 


عش في حدود يومك 

من أخطاء الإنسان أن ينوء في حاضره بأعباء مستقبله الطويل، والمرء حين يتأمل ينطلق تفكيره في خط لا نهاية له، وما أسرع الوساوس والأوهام إلى اعتراض هذا التفكير المرسل، ثم إلى تحويله إلى هموم جاثمة وهواجس مقبضة... 

والعيش في حدود اليوم يتّسق مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه.. فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (رواه الترمذي). 

إن الأمان والعافية وكفاية يوم واحد تتيح للعقل النيّر أن يفكر في هدوء واستقامة تفكيراً قد يغيّر به مجرى التاريخ كله، بله حياة فرد واحد...! 

على أن العيش في حدود اليوم لا يعني تجاهل المستقبل، أو ترك الإعداد له؛ فإن اهتمام المرء بغده وتفكيره فيه، فيه حصافة وعقل، وهناك فارق بين الاهتمام بالمستقبل والاغتمام به.. بين الاستعداد له والاستغراق فيه، بين التيقظ من استغلال اليوم الحاضر والتوجس المربك المحير مما قد يأتي به الغد... 

ويرد الشاعر على هذه التوجسات بقوله: 

سهرت أعين ونامت عيون *** في شئون تكون أو لا تكـون 

إن ربًّا كفاك بالأمس ما كان *** سيكفيك في غدٍ ما يكــون 

الثبات والأناة والاحتمال 

إذا داهمتك شدة تخاف منها على كيانك كله.. فما عساك تصنع؟ 

يقول كارنيجي: 

1ـ سل نفسك ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لي؟ 

2ـ ثم هيِّئ نفسك لقبول أسوأ الاحتمالات؟ 

3ـ ثم أسرع في إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟! 

والناس –إلا القليل منهم- من خوف الفقر في فقر.. ومن خوف الذل في ذل... 

إن الإنسان يتخوف فقدان ما ألِف، أو وقوع ما يفدح حمله، وكلا الأمرين بعد حدوثه يُستقبل دون عناء جسيم..؟! 

أعرف رجلاً قُطعت قدمه في جراحة أجريت له، فذهبت لأواسيه، وكان عاقلاً عالماً، وعزمت أن أقول له: "إن الأمة لا تنتظر منك أن تكون عدَّاءً ماهراً ولا مصارعاً غالباً، إنما تنتظر منك الرأي السديد والفكر النيّر، وقد بقي هذا عندك ولله الحمد". 

وعندما عدته قال لي: "الحمد لله.. لقد صحبتني رجلي هذه عشرات السنين صحبة حسنة.. وفي سلامة الدين ما يرضي الفؤاد"! 

والتحسر على الماضي الفاشل والبكاء المجهد على ما وقع بما فيه من آلام وهزائم هو –في نظر الإسلام- بعض مظاهر الكفر بالله والسخط على قدره؟! 

هموم وسموم 


الخبراء في حياة الغرب يشكون من حرارة الصراع الدائر في أرجائه للحصول على المال والمكاثرة به؛ فالأفراد والجماعات منطلقون في سباق رهيب لإحراز أكبر حظ مستطاع من حطام الدنيا، وقواهم البدنية والنفسية تدور كالآلة الدائبة وراء هذه الغاية. 

ويقول الدكتور ألفاريز: "اتضح أن 4 من كل 5 مرضى ليس لعلتهم أساس عضوي البتة، بل مرضهم ناشئ عن الخوف والقلق والبغضاء والأثرة المستحكمة، وعجز الشخص عن الملاءمة بين نفسه والحياة"! 

في مقابل ذلك يجب أن نذكر ببعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذم هذا التكالب والترهيب من عقباه، فقال: 

ـ "من جعل الهم همًّا واحداً كفاه الله دنياه، ومن تشعّبته الهموم لم يبالِ الله في أي أدوية الدنيا هلك" (رواه الحاكم). 

- وقال عليه الصلاة والسلام: "من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له" (رواه الترمذي). 

وهذه الأحاديث تهدف إلى تهذيب النفوس في سعيها وعملها وطلبها للرزق، ولا تعني بشكل من الأشكال إبطال أعمال الدنيا.. 

فالمال نطلبه لكي ننفقه لا لنختزنه، وإذا أحببناه فمن أجل أن نبذله فيما يحقق مصالحنا ويصون حياتنا، وأفضل الناس من يأخذه بسماحة وشرف بدون تخاطف أو حسد، وإذا تحوّل عنهم لم يشيعوه بحسرة أو يرسلوا وراءه العبرات.. 

ولذلك فواجب المؤمن التشبث بالعناية الإلهية في مواجهة كل ما يحل به من قلق واضطراب؛ فإن الاستسلام لتيار الكآبة بداية انهيار شامل في الإرادة يطبع الأعمال كلها بالعجز والشلل. 

ولذلك كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلّم أصحابه بعض الأدعية ليسهّل الله أمورهم ويقضي حوائجهم، وبعض الناس يتصور أن الدعاء موقف سلبي من الحياة، أليس عرض حاجات وانتظار إجابة؟! 

ويوم يكون الدعاء كذلك لا يعدو ترديد أماني وارتقاب فرج من المجهول ولا وزن له عند الله بل يحب أن يكون مقروناً بالعمل والأخذ بالأسباب.. 

كيف نزيل أسباب القلق؟ 


لا أعرف مظلوماً تواطأ الناس على هضمه وزهدوا في إنصافه كالحقيقة.
. ما أقل عارفيها، وما أقل في أولئك العارفين من يقدّرها ويعيش لها، إن الأوهام والظنون هي التي تمرح في جنبات الأرض، وتغدو وتروح بين الألوف المؤلفة من الناس، وجدير بالإنسان في عالم استوحش فيه الحق على هذا النحو أن يجتهد في تحريه، وأن يلتزم الأخذ به، وأن يرجع إليه كلما أبعدته التيارات عنه؛ ولذلك يدعو الإنسان ربه في كل صلاة أن يهديه الصراط المستقيم الذي يلتمس به الصواب بين طرق الضلال ودعوات الباطل.. 

 يقول كارنيجي: الخطوات الثلاث التي يجب اتخاذها لتحليل مشكلة ما والقضاء عليها هي: 

1ـ استخلاص الحقائق. 

2ـ تحليلها. 

3ـ اتخاذ قرار حاسم والعمل بمقتضاه. 

وجمع الحقائق ليس يسيراً كما يقول كارنيجي "إننا قلّما نُعنى بالحقائق، وإذا حدث أن حاول أحدنا استخلاص الحقائق فإنه يتصيد منها ما يعضد الفكرة الراسخة في ذهنه، ولا يبالي بما ينقضها؛ أي أنه يسعى إلى الحقائق التي تسوّغ عمله، وتتسق مع أمانيه، وتتفق مع الحلول السطحية التي يرتجلها".. فما العلاج؟ 

العلاج هو أن نفصل بين عاطفتنا وتفكيرنا، وأن نستخلص الحقائق المجردة بطريقة محايدة. والخطوة الثانية بعد جمع الحقائق استشعار السكينة التامة في تلقيها، وضبط النفس أمام ما يظهر محيراً أو مروعاً منها.. 

وقد يجد المرء نفسه أمام عدة حلول للمشكلة؛ فيجد أن أحلاها مر، وقد يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، وقد يدور حول نفسه ولا يرى طريقاً، أو يرى الطريق فادح التضحية، ومثل هذه الأفكار تتكاثر وتتراكم مع ضعف الثقة بالله وبالنفس. أما المؤمن فهو يختار أقرب الحلول إلى السكينة والرشد، ثم يُقدِم ولا يبالي بما يحدث بعد ذلك، ولسان حاله يقول: "قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ". 

والخطوة الأخيرة هي التصرف بقوة وحزم؛ فكثير من الناس لا يعوزهم الرأي الصائب؛ فلهم من الفطنة ما يكشف أمامهم خوافي الأمور، يبدو أنهم لا يستفيدون شيئاً من هذه الفطنة؛ لأنهم محرومون من قوة الإقدام، فيبقون في أماكنهم محصورين بين مشاعر الحيرة والارتباك، وقد كره العقلاء هذا الضرب من الخور والإحجام، فقال شاعرهم: 

 إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة **** فإن فساد الرأي أن تترددا 

إن مرحلة المشورة في أمر ما لا يجوز أن تستمر أبداً بل هي حلقة توصل إلى ما بعدها من عمل واجب، فإذا تقرر العمل فلنمضِ في إتمامه قدماً، ولنقهر علل القعود والخوف، ولنستعن بالله حتى نفرغ منه! 

جزء من كتاب "جدد حياتك" للشيخ محمد الغزالي رحمه الله، بتصرف.

النقد البناء لمعركة الفرقان

الأحد، فبراير 15، 2009


قبل أن تضع الحرب أوزارها ، و قبل أن تجف الدماء الحرام على ارض غزة، و في ظل جحيم الحقد الصهيوني والعالميعلى المقاومة، و حينما تبدى للمنبطحين العرب أن رؤوس حماس لن تكسر ، و أن الأهداف الصهيونية لن تتحقق ، بدأت أبواق المنبطحين "المعتدلين" بحسب تصنيف أمريكا-إسرائيل تطالب حماس من باب النصيحة المشفقة و القلب الرحيم، أن تحاسب نفسها و تراجع منهجها و تلوم سياستها... 

و هؤلاء الناصحون ... لا ينتقدون وضعهم البائس، و مهانتهم و هوان أمرهم ، و انحدار أخلاقياتهم، و انسداد أفقهم، و ارتمائهم في أحضان الأعداء .. و لكن يتوقعون منا أن نجلد أنفسنا ، و ننهش قادة حماس و ربما حتى الشهداء منهم، و نتنكر لدماء إخوتنا ، باعتبار أن هذا نقد بناء .. يعيدنا إلى معسكرهم المقرف .. المنتن .. الذليل.

أن الحركة الإسلامية تنتقد مسيرتها و تراجع منهجها ، وتقيم قيادتها و مسؤوليها بحسب منهجها، و أهدافها و مسيرتها و قرارها الشورى ، و مؤسستها الراسخة باذن الله، و لا تخشى في الله لومة لائم (نحسبهم كذلك والله حسيبهم) .. فالحركة ليست في جيب احد، و لا يملكها شخص و لا فئة و لا دولة، بل هي ملك عموم المسلمين، وهي نتاج جهود مخلصيهم وثمرة نتاج مصلحيهم... 

ما بدى لي من المواجهة الكبيرة ، إن الطريق الصحيح و الوحيد والكريم و الموصل إلى الأهداف الفلسطينية هو المقاومة ،و الحرب و القتال و التسليح، و غير ذلك ضياع و هباء ، فلا يجمع الأمة، و يعلي شأنها ، و يجمع شعثها، و يخرج أفضل ما فيها إلا الجهاد و الحرب ، و أي انحراف عن منهج المقاومة مهما بدى الطريق مفروشا بالورود و المعابر المفتوجة، و الأموال المتدفقة ، فان مصيره إلى فساد و ضياع حقوق ، و تسول و هزيمة و اندحار. 


الحرب الأولى التي خاضها الشعب الفلسطيني (أو جزء منه) على أرضه و دون مساندة فاعلة من احد، دللت على أمور منها :- 

1- أن روح الجهاد و الاستشهاد و المقاومة مرتفعة في غزة بل و بين الكثير من أبناء الأمة الذين حالت الأنظمة القمعية بينهم و بين نصرة غزة. 

2- تنجح إسرائيل دائما بأن تخوض الحرب في مكان و احد مع إسكات بقية الجبهات، فقاتلت مخيم جنين منفردا، و حزب الله وحيدا، و غزة معزولة و محاصرة، لأن الكيان لا يزال هو الذي يحدد ساعة و ظروف المعركة و ليس قوى المقاومة. 

3- السلاح .. السلاح .. هو النتيجة التي خلص إليها العدو من دروس غزة ، و تدرك المقاومة الآن أن عليها توفير أسلحة مضادة للمدرعات و سلاح الجو لتحقيق القدرة الدفاعية اللازمة لإيقاف العدو و دحره بخسائر كبيرة مهينة و رادعة. 

4- أن الأمة ما زالت تؤمن بإمكانية الصمود و الانتصار ، و هي تدرك أن هذا سيتحقق في يوم ما ، و أن الهزائم و ثقافة الانبطاح و العجز و التبعية لم تنل من نفوس المسلمين و العرب، و لكن الشعوب تحتاج إلى معارك فيها عزة و كرامة و إيمان و أمل، أكثر من البكاء و العويل. 

5- أن الحصار و الإخضاع و الظلم العربي لحماس ، جعلها تنمو و تكبر من خلال الاعتماد على الله و القوة الذاتية، و الارتقاء لمواجهة تحديات لن يساعد عليها الآخرون، و الحرب الحقيقية المفتوحة، تجربة جديدة لحماس، و حيث أنها لم تكسر حماس فقد كانت رصيدا من التجربة الميدانية و السياسية و النفسية و الإدارية للحركة، و المطلوب هو الاستفادة من هذه التجربة إلى أقصى مدى ممكن. 

6- العدو الصهيوني رغم ظهور أعراض خطيرة للضعف في بنيته، و رغم التراجع الكبير في نسبة انجازه العسكري إلى الجانب العربي ، إلا انه يتعلم من أخطاءه جيدا ، لذا فيجب وضع كل ذلك في الحسابات العسكرية على كل جبهة. 

7- القضية الفلسطينية تمتلك رصيدا كبيرا معظمه كامن أظهرت حرب الفرقان الكثير من مظاهره ، و الشعب التركي شاهد على ذلك، هذا الرصيد المبدد من قبل سلطة عباس و زعامات العرب ، تضعه حماس في المعادلة السياسية ، من خلال النظر البعيد و طول النفس و عدم استعجال النتائج .. مما يزيد من رصيد حماس السياسي . 

8- ساهمت هذه الحرب في تخفيف حدة الفرز الطائفي التي أريد لها أن تكون البديل عن صراع الأمة مع إسرائيل، فقد أظهرت طوائف الأمة المختلفة انحيازا لفلسطين .. إلا من ارتبط بنظامه المتخلف ، و لا شك أن انحسار التوتر الطائفي يعمل ضد إسرائيل. 

9- الأداء السياسي هو وجه آخر مكافئ للأداء العسكري ، و قد بنت حماس مشروعا سياسيا ساعدها على إدارة المعركة و تجاوز محاولات الإقصاء و الإعدام، فتطوير الجهاز السياسي للحركة يجب أن يبقى مصاحبا لتطوير الجهاز العسكري . 

10- عندما يكون الجنود في المعركة خصوصا من قبل الشعوب تحت الاحتلال مثل الشعب الفلسطيني ، فان الآراء الخاصة و الاجتهادات الفردية، و الملاحظات الشخصية يجب أن تتأخر(لا وقت لجلد الذات أثناء الحرب وبعد أن تضع الحرب أوزارها فالمجال متسع) ، و هو عتاب للإخوة الذين استسهلوا أن يعرضوا مواقفهم الشخصية المخالفة لقرارات الحركة أمام وسائل الإعلام. 

11- لا تهزم الدعوات و الأفكار بالأذى و الطائرات و القتل، و لكنها تهزم من داخلها ، بهزيمة العقيدة الموجهة و المحفزة لهذه الدعوة ، و بالانقسام و التفتت، و نأمل أن تكون حماس قد خرجت أكثر تماسكا و مؤسسية في العمل من هذه "الملحمة و البطولة"

-------------------------------------------------------

على الهامش

الأخ العزيز والمدون الناجح أحمد بدر الدين مريض ومتواجد الآن في معهد ناصر (أدعوا له)

حملة شوف الحقيقة على اليو تيوب والفيس بوك

يا دم البطل

الثلاثاء، يناير 27، 2009

شاهد آخر كلمات الشهيد نزار ريان في مصر

في بلدي (كفر الدوار) مؤتمر نصرة فلسطين 

سررت بزيارتهم


عمار ،